أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
47
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
--> - المقابل بالتناغم مع الشيوعيّين عدو النجف الأوّل . وقد انعكست هذه النظرة على أصحاب السيّد الصدر ( رحمه الله ) أيضاً ، ولذلك تردّد بعضهم في تأييد حركة السيّد الخميني ( رحمه الله ) سنة 1399 ه - باعتبار أنّ إسلاميّتها غير واضحة ( انظر أحداث سنة 1399 ه - ) . وخلاصة الكلام في العامل الأوّل ، هو أنّ أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) يحسبون الجو النجفي أو أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) على الاتّجاه المتناغم - أو غير الرافض على تقدير آخر - مع أمريكا ، بينما حُسب الخمينيّون على الاتّجاه الذي يتقبّل الشيوعيّين على الأقل . - 2 - دور الموقف من النظامين الإيراني والعراقي أمّا في ما يتعلّق بالعامل الثاني الذي أشرنا إلى تأثّره بشدّة بالعامل الأوّل ، وهو العامل الإقليمي بحسب اصطلاحنا : فقد تقدّم ضمن أحداث سنة 1380 ه - تحت عنوان ( الموقف من اعتراف الشاه بإسرائيل ) كيف أنّ السيّد مرتضى العسكري عندما تحرّك من أجل إرسال برقيّة إدانة لشاه إيران حول اعترافه بإسرائيل اتّهم بأنّه ناصريُّ الهوى - نسبة إلى جمال عبد الناصر - وأنّ ذلك هو الذي حمله على إدانة الشاه ، كما تقدّم الحديث عن الضغوط التي تعرّض لها السيّد الصدر ( رحمه الله ) إثر نشر ( الأضواء ) مقالًا تنتقد فيه خطوة إيران . وهذا من شأنه أن يوضح الصورة شيئاً ما حول نظرة الوسط النجفي إلى نظام الشاه الذي لم يكن مرفوضاً ذلك الرفض ، إن لم نقل إنّه كان مقبولًا ، إذ كان الجوّ النجفي عموماً - أو قسم معتدٌّ به على الأقل - ينظر إلى دولة الشاه على أنّها دولة الشيعة الوحيدة في العالم ، وأنّ أيّة محاولة لإسقاطها ستؤدّي إلى انهيار دولتهم الوحيدة ، الأمر الذي يعدُّ بالنسبة لهم خسارة كبيرة ، ولهذا تجد أنّ السيّد محمّد الروحاني ( رحمه الله ) عندما عنّف السيّد الصدر ( رحمه الله ) على ما نشرته ( الأضواء ) استند إلى أنّ دولة الشاه هي ( دولة الإمام الصادق ) . وقد اجتمع نظام الشاه مع حوزة النجف لا إراديّاً في صفٍّ واحد ضدّ الشيوعيّين ، عدوّهما المشترك . وهذه الأجواء كرّست نوعاً من الالتقاء بين الشاه وحوزة النجف ، انعكست على علاقتهما . وقد تقدّم ضمن أحداث سنة 1380 ه - تحت عنوان ( وفاة السيّد البروجردي ( رحمه الله ) ) ترجمة البرقيّة التي أرسلها السيّد الحكيم ( رحمه الله ) إلى الشاه ، ويُمكن أن تلاحظ فيها طبيعة الخطاب . ومن ناحية أخرى فقد شهد العراق وإيران توتّراً سياسيّاً وحدوديّاً حكم علاقة البلدين حتّى سنة 1975 م ، سنة توقيع معاهدة الجزائر . وإلى ما قبل هذا التاريخ ، كان كلّ طرف يبذل المستحيل من أجل استنزاف الطرف الآخر ، وكانت الحوزتان في قم والنجف وسيلةً لكلّ نظام للضغط على الآخر . ومن هنا تجد أنّ الشاه كان يعطي للحوزة النجفيّة المناوئة للنظام العراقي امتيازات لم يعط عشرها للحوزة القميّة ، وكذلك فعل النظام العراقي على ما سيظهر لك . واللطيف أنّ كلّ حوزة كانت تتّهم الأخرى بالعمالة للنظام الذي تجثم الأولى على أراضيه ، وذلك بسبب الامتيازات التي تمتّع بها كلٌّ منهما . ومن الواضح لديّ أنّه لا مجال للحديث عن العمالة بمعناها المعطى لها ، وإنّما اللعبة السياسيّة اقتضت أن يستفيد كل نظام من حوزة الآخر بشكلٍ من الأشكال . ولذلك تجد أنّ قوانين اللعبة تغيّرت بعد معاهدة الجزائر ، وصار كلّ طرفٍ ملزماً تجاه الآخر بتعهّدات ، وهذا ما دفع النظام العراقي إلى عدم السماح للسيّد الخميني ( رحمه الله ) بالبقاء في النجف ، فسافر إلى فرنسا . هذا في ما يتعلّق بموازين اللعبة السياسيّة ، والتي يقف إلى جانبها طبيعة كلّ طرف في رؤيته وأيديولوجيّته . وعندما تقرّر انتقال السيّد الخميني ( رحمه الله ) إلى العراق دار حديثٌ في الحوزة - كما تقدّم - حول المكان المناسب الذي يمكن أن يستقرّ فيه ، وأنّه كان هناك كلامٌ حول أنّ استقراره في كربلاء أفضل لسببين : أحدهما ابتعاده عن الاحتكاك بالنجف نتيجة انتمائه إلى جو فكري مغاير . كما تعرّضنا في أحداث هذه السنة إلى بعض المواقف المتعلّقة بحوزة النجف وبالسيّد الخميني ( رحمه الله ) ، ويظهر منها بوضوح شبه التباين الموجود بينهما . فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ السيّد الخميني ( رحمه الله ) كان ينظر إلى الشاه بوصفه العدو الأوّل في المنطقة واليد الرسميّة لأمريكا ، وكان مصرّاً على ضرورة قطع هذه اليد والإطاحة بنظامه في المرحلة الأولى . وفي المقابل لم تكن حوزة النجف الأشرف تنتمي إلى اتّجاه يدفعها إلى الإطاحة بنظامٍ ما مهما بلغ اعتقادها بخطورته ، ومهما كانت الفرصة مؤاتيةً لها لإنجاز عملٍ من هذا القبيل . ولهذا اتّهمت المرجعيّة النجفيّة بأنّها فوّتت على نفسها فرصةً ذهبيّةً لاستلام السلطة في -